كلمة السفير بمناسبة إحياء ذكرى 8 ماي 1945

كلمة السفير بمناسبة إحياء ذكرى 8 ماي 1945
بسم الله الرحمن الرحيم
السيدات والسادة الأعزاء،
نقف اليوم وقفة إجلال وخشوع أمام ذكرى خالدة في وجدان الأمة الجزائرية، ألا وهي ذكرى مجازر 8 ماي 1945 التي شكّلت منعطفًا حاسمًا في مسار نضال الشعب الجزائري من أجل الحرية والكرامة والسيادة. ففي هذا اليوم، خرج إخواننا في مسيرات سلمية يطالبون بحقّهم الطبيعي في الحياة الحرة، رافعين راية الأمل بعد نهاية الحرب العالمية الثانية، غير أنّ الاستعمار قابل سلميتهم بوحشية منقطعة النظير، فارتُكبت مجازر رهيبة في سطيف وقالمة وخراطة، وسقط عشرات الآلاف من الشهداء الأبرياء.
إنّ هذه الذكرى ليست مجرّد محطة تاريخية نستحضرها كل عام، بل هي درسٌ متجدد في معنى التضحية، وفي قدرة الشعوب على تحويل الألم إلى قوة، والظلم إلى إرادة، واليأس إلى مشروع تحرّر شامل. لقد أدرك الجزائريون، بعد تلك الأحداث الدامية، أنّ الاستقلال لا يُمنح بل يُنتزع، وأنّ الحرية لا تُستجدى، بل تُصنع بصبر الرجال وإيمانهم. ومن رحم تلك المأساة، وُلدت شرارة أول نوفمبر 1954، التي أعادت الجزائر لأهلها.
إنّ إحياءنا لهذه الذكرى اليوم هو وفاءٌ لشهدائنا الأبرار، وتأكيدٌ على أنّ الجزائر لا تنسى أبناءها الذين قدّموا أرواحهم دفاعًا عن الحرية والعدالة والكرامة. وهو أيضًا رسالة إلى الأجيال الجديدة كي تدرك أنّ الاستقلال الذي ننعم به اليوم لم يكن هدية، بل ثمرة تضحيات جسام، ومسؤولية الحفاظ عليه تقع على عاتق كل واحد منا.
كما أنّ هذه المناسبة تذكّرنا بقيم السلم، والعدل، والعيش المشترك، وهي قيم تتقاطع مع مبادئ سياستنا الخارجية القائمة على احترام السيادة، وعدم التدخل في الشؤون الداخلية للدول، ودعم الحلول السلمية، وتعزيز التعاون بين الشعوب. فالجزائر، التي دفعت ثمنًا باهظًا من أجل حريتها، تظلّ صوتًا صادقًا في الدفاع عن القضايا العادلة، وفي مقدمتها حق الشعوب في تقرير مصيرها.
إنّ واجب الذاكرة ليس مجرد استحضار للماضي، بل هو التزامٌ ببناء مستقبل أكثر عدلاً وسلامًا. وإنّنا، ونحن نحيي هذه الذكرى، نؤكد عزم الجزائر على مواصلة مسارها في تعزيز الدولة الوطنية، وترسيخ مؤسساتها، وحماية سيادتها، والعمل من أجل تنمية شاملة تُكرّم تضحيات الشهداء وتحقق تطلعات الأجيال القادمة.
رحم الله الشهداء الأبرار، وجعل ذكراهم نبراسًا نهتدي به في خدمة الوطن.
عاشت الجزائر حرّة مستقلّة.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.
